مميزة

شورى بينهم لا لهم

أسمهان الهنائية

إن الشورى مبدأ إنساني عظيم يعمق مفاهيم الديموقراطية والاتفاق بين أبناء الوطن الواحد متى ما أراد الجميع مصلحة البلد والاتجاه في مسار الإصلاح والتغيير. كما أن ذلك يضمن إجماع الجميع على اختيار من يمثلهم ويقودهم ويوصل صوتهم إلى الجهات العليا، بما يحقق فاعلية الإجماع بين الأفراد في المجتمع وهو أمر مهم جدا لحفظ حق المشاركة السياسية للجميع دون أن يقتصر على قبيلة بعينها أو حزب معين وصولا إلى مجتمع خالي من التحيز والتعصب. واعلموا أن “ثقافة الشورى” تعني أن تكون ملما بمهام من ينتمون إلى مجلس الشورى، وقادرا على اختيار المرشح المناسب دون الانصياع إلى أي مؤثرات قد يمارسها البعض بدعوى القبيلة والقرابة وما إلى ذلك. 

عكست الانتخابات الأخيرة لمجلس الشورى لفترته التاسعة “ثقافة الشعب” في التعاطي مع المرشحين واختيار ممثلهم، حيث تأثرت هذه الثقافة بما أفرزته نتائج الانتخابات في السنوات الماضية وبحجم التغيير الذي أحدثه من أوصلتهم أصوات الشعب إلى المجلس، حيث أن غياب الشفافية في عملية الانتخاب بمراحلها المختلفة هو الأمر الذي أسهم في انعدام ثقة الشعب في قدرة المجلس على خدمة تطلعاتهم واحتياجاتهم وأصبحت هناك فجوة بين الشعب وبين السلطة التي لا يمكن في ظل وجودها أن نصل إلى مرحلة من الوضوح والمرونة تضمن سير العملية بسلاسة ونجاح. كما أن الموضوع أصبح يفتقد إلى السرية وحرية اختيار المواطن للمرشح الذي يراه مناسبا، حيث أصبح الكثير من أبناء الشعب يحملون شعارات الترويج لجذب أكبر عدد من الأصوات لمرشح بعينه مقابل “فائدة” يتقاضاها من المترشح، وهو الأمر الذي أفقد العملية الثقة والمصداقية والأمانة.  

اعلموا أن تراكم الأخطاء نتيجة الجهل أو التجاهل يولد مشكلات تراكمية تحتاج إلى حلول مرحلية، وهذا يتضح من وصول بعض المترشحين إلى مقاعد المجلس وهم يفتقدون إلى أبسط معايير الكفاءة والقيادة والقدرة على تحمل المسؤولية، لذلك اجتماع أصوات الولاية على مرشح ما بدعوى القبيلة أو ما شابه ذلك يعد أحد هذه الأخطاء التي تحول دون تحقيق التغيير المراد تحقيقه على أرض الواقع واستمرار المطالب وحالة عدم الرضا لدى المواطنين. كما أن الجانب الآخر الذي يوضح تراكم الأخطاء هو لجوء الجهات المختصة إلى الجانب الإلكتروني في عملية التصويت وهو أمر إيجابي ومطلب أساسي لولا أنه كان يفتقد للضعف والعطل بما تسبب في صعوبة التصويت وازدحام المواطنين في أماكن التصويت. 

لا بد من إعادة صياغة الواقع الانتخابي بما يجعل الأمر واضحا، وهذا لا يتم إلا إن تم استعادة الثقة بين الشعب والسلطة، وترسيخ مفهوم أن الشورى مبدأ شراكة يجمع الكل على أرض واحدة بما يخدم المصلحة العامة لا المصلحة الشخصية، كما أن الأمر ليس “مناصب” إنما هو أمانة ومسؤولية تتطلب العطاء والوفاء والتفاني. 

مميزة

تجديد الثقة في الفشل !!!

أسيد أحمد البلوشي

انتهى الصراع بين “مصلحة الوطن” وبين “المصلحة الشخصية” باكتساح الثاني بامتياز وهذا يفسر وبكل وضوح الأسلوب الذي يدار الوطن من خلاله فلا وجود لمصلحة الوطن ولا يوجد من يدرك حقيقة هذا الشيء إلا من رحم ربي , وحتى أمام التجربة الديموقراطية التي من المفترض أن تضع الوطن فوق الجميع إلا أن الديموقراطية بالنسخة العمانية تقف على رأسها لا على قدميها وقد تعبنا من تكرار أن المجد للتخطيط السليم ثم التنفيذ ثم الإنجاز لا في الشخصيات ولا في القبائل ولا في المظاهر فالشخص عبارة عن “ماذا فعل؟” ليس عبارة عن قبيلة ولا عن مظهر ولا ينبغي التقييم من خلال هذه المعايير السيئة التي تذهب بالوطن إلى الهاوية .. أو الحضيض .. إن هذه المسألة بدأت منذ بداية الانتخابات حتى تعيين خالد المعولي رئيساً للمجلس ويا ليتنا لم نتفاءل ويا ليتنا بقينا متشائمين على مستقبل هذا الوطن الذي أنهكه الفساد , فقد تفاجئنا جميعنا وأخص بالجمع “الشباب” بفوز الأتفه على حساب الأكفأ في أغلب ولايات السلطنة وفوز أشخاص لم نراهم في الحملات الانتخابية ولم يعرضوا خططهم وأهدافهم التي من حق جميع المواطنين معرفتها , إلا أنهم فازوا وبعضهم فاز بأصوات خيالية وقد نجحوا بذلك في جذب المغفلين سواء بالمال أو بالشعارات القبلية التي هي سبب تفشي الوساطات والمحسوبيات والتي بدورها جعلت المصلحة الشخصية فوق الكفاءة ..فكيف نرجو تقدماً إذا كانت الأموال هي التي تدفعني لتحديد مصير بلدي وكيف نرجو رقياً إذا كانت القبيلة هي التي تأخذ بيدي إلى قاعات التصويت وكيف نرجو تطوراً إذا كان من وثقنا به ورشحناه يسهل إغراؤه باتصال هاتفي أو تهنئة أو ابتسامة أو حتى “جروب واتساب” .. هذه الدورة كشفت لنا أن الوطن يُدار بالمال وأن أغلب الشعب لا يدرك أين تكمن مصلحته وحتى لو كان يعرفها فيكفي أن يستمع إلى خطاب قبلي رنان لينسى مصلحة الوطن أو يضعها في ….. , ولا نزيد على أن نقول أننا أمام فشل جديد يستمر لأربع سنوات قادمة ونسأل الله الستر ولا حول ولا قوة إلا بالله.

لا تصالح لا تساوم

بقلم بشرى الغيلاني

ما يحدث اليوم من تهجير وقتل في حي الشيخ جراح ما هو إلا امتداد للتمدن الصهيوني وبمساعدة العرب بتطبيعهم للعلاقات مع الكيان الصهيوني، ولكننا نحن الشعب لن يهزنا تغيير المسميات ولن نرى المحتل سوى غاصب وكيان صهيوني فقط ولن نعترف به كدولة وإن ساوموا.
ونعيدها ونكررها شاء من شاء وأبى من أبى ستظل فلسطين للفلسطينين وستظل شغلنا الشاغل إلى أن يعود الحق لأصحابه.

اتُهِمنا زورًا وبهتانًا بأننا لا ننتفض لا نصرخ ولا نكتب من أجل الفلسطينين.. لا نرفض الاستبداد الصهيوني ولا نعترض على التطبيع .. كذبت إدعائاتهم، فنحن واقفون كالعظم في بلعوم الصهيون.
فها هم يخافون طردهم كالكلاب.. هاهم يرون أثر صوتنا وكلمتنا.. أثر انتفاضتنا ولو بالكلمة..
منذ بدأ العدوان على حي الشيخ جراح والشعب العربي الأبي يكتب وينتفض ويدعي.. أصبح الشعب عامل ضغط على الكيان الصهيوني وبرامجهم المظللة.
فبعد حذف (هاشتاقات) وحسابات مناهضة لفلسطين في الانستقرام.. اليوم يقدم اعتذارًا ويعيد الهاشتاقات والحسابات. لا تستهن بقدرات الشعب العربي فهم وإن كانوا بعيدين عن بيت المقدس، فإنهم قريبون بصوتهم بكلمتهم بدفاعهم وبدعائهم.

منظمات حقوق الإنسان والطفل وغيرها من المؤسسات المعنية بحياة البشر تقف اليوم كالصم البكم العمي عما يحدث في القدس وكأن حياة الفلسطينين لا تهم وكأنهم كما يروج لهم الصهاينة بأنهم غير موجودين، “فلسطين أرض بلا شعب.” ولكننا أذن وعين ولسانٌ مع وعن الفلسطيني.. فحياته تهمنا وحياته مهمة سواء رفض الغاصب أم استنكر..

واخيرًا “لا تصالح..
ولو منحوك الذهب
أترى حين أفقأ عينيك
ثم أثبت جوهرتين مكانهما..
هل ترى..؟
هي أشياء لا تشترى”

وطن النهار يودّع أمير الإنسانية..

كتبت: أنين


إن أكثر ما يثقل كاهل الكاتب بالتحديد هو الكتابة في تلك اللحظة التي يمر فيها الحزن متلبساً صمته بغصة سابقة تحتشد فيها كل الكلمات الملكومة ولا يوجد مخرج طوارئ للبوح، فيبدأ بانتزاع الكلمات واحدة تلو الأخرى وكأننا ننتزع خناجر الفقد ذاتها مجبرين على فعل ذلك حباً وليس غصباً.

فأنا بعدما كنت أظن بأني انتحبت ما يكفي من حزن يناير الماضي موزّعةً الحزن على النصوص والقصائد ظناً مني للحظة بأني نزفت حزني كاملاً وتخلصت من ثقل يناير الكئيب شيئاً فشيئاً.. فإذا بي اليوم أفجع ويفجع الجميع برحيل وطن آخر، لنسترجع الألم ذاته، يناير المُر وسبتمبر الأمَر الذي أتى محملاً بألمين، وكأن قطار الموت كان واقفاً على حافة الوقت منتظراً راكباً آخر، أصر على أن لا يودع صديقه وداعاً عادياً، بل تحتم عليه أن يغادر معه لا دونه، وأصبحتُ أتساءل ألهذا تأتي سخرية الموت مع الأصدقاء بهذه الغرابة وبهذه الأحداث المتشابهة، وإلى هذا الحد من القرابة ؟؟فالسنة ذاتها والأحداث التي سبقت الفاجعتين متشابهة تقريباً!!

لا أعلم حقاً ولكن ما أعلمه بأن رحيلهم كان موجعاً إلى حد كبير من الحزن والمرارة، و في الحقيقة لا تهمني ترهات من يرفعون أنوفهم السياسية المفلسة بعباراة الشعب العربي عاطفي، نعم لا تهمني فنحن إنسانيون يا سادة من الطراز الرفيع جداً.. نحزن وننتحب على حكّام أخلصوا للوطن وللإنسان فمن يستحق التقدير تجد بأن الوطن يتسابق في بكاءه قبل أبناء الوطن أنفسهم. وهنا تستوقفني عبارة للكاتبة العظيمة أحلام مستغانمي عندما قالت:”لا يمكن لرجل يشيّعه شعبه بهذا القدر من الفجيعة، أن يكون قد أخطأ في حق الوطن”. المقولة ذاتها استحضرتها في وفاة قابوسنا الخالد وترافقني اليوم أيضاً في وفاة الشيخ صباح الأحمد الصباح..

نعم بكينا ألماً على فراق قابوس طيب الله ثراه وقد شيعته القلوب قبل المواكب والمراسم. واليوم يتكرر المشهد فالعالم أجمعه مفجوع برحيل أمير الإنسانية وليس وطن النهار فحسب. اللحظات ذاتها تعيد نفسها وكأن العُماني يبكي الصباحين .. صباح يناير وصباح وطن النهار، فالفجيعة مشتركة والحزن واحد. فأمير الإنسانية رحل بصفحة سياسية نقية بيضاء لا تختلف بنقاءها عن رفيق دربه السلطان قابوس طيب الله ثراهما.

فعندما نقول الشيخ الأمير صباح الأحمد نتذكر وطن النهار والإنسانية، نتذكر السعي الدؤوب في حلحلة الخلاف الخليجي، كان دقيق جداً وحريص جداً على أن تعود المياة إلى مجاريها، كان رحوماً رحيماً حتى آخر لحظات تعبه حريص على سلامة الشعب الكويتي بالدرجة الأولى فدائماً ما تأتي عباراته الحنونه كـ (هذولا عيالي)، و(وسلم لي على كل كويتي وكويتية) ، ولم ينسى رحمه الله انتكاسات الدول الخليجة فكانت لعُمان كلمته المشهورة (قابوس ما مات وأنتوا موجودين).. واليوم نحن العمانيين نقول لأهل الكويت :الأمير صباح ما مات وأنتوا موجودين بهذه الخصال الحميدة والإنسانية التي غرسها فيكم. فهو فكرة وعلى يقين بأن الأفكار لا تموت بل تزهر وتتكاثر بأفكار أخرى مشابهة لجينات الفكرة الأساسية، فالشيخ صباح هو الفكرة الخالدة فينا جميعاً بإنسانيته وتسامحه ورحابة صدره، وعلى نفس النهج نكمّل المشوار انتم عياله وأهل الخليج كلهم عياله.. ولن يختطف الموت من غرس نهج واضح وفكر سليم من ذاكرة الشعوب وإن ضمّه الثرى، سيبقى الأثر وذكر الخير يرافقه للابد.

رحم الله الشيخ صباح وربط على قلوبنا وقلبوكم بالصبر والسلوان.

تأملات في النكسة الخليجية

كتب: أسيد البلوشي

هذه الأيام.. هي أيام تاريخية.. جملةً وتفصيلاً.. ولم يكذب المتفقون مع السلام الخليج في وصفهم لاتفاقيات السلام مع الكيان الصهيوني بأنها تاريخية، وستبقى في الذاكرة السياسية وفي ذاكرة الشعوب؛ لأنها شهدت تغييراً ليس على الصعيد السياسي فحسب بل على الصعيد الفكري، فأصبحت المسألة.. محلاً للنقاش ومحلاً للاختلاف والاتفاق بعدما كانت عقيدة راسخة لا تُمس.. ورمزاً أخلاقياً لا يُخدش إلا في الغُرف المظلمة وتحت طاولات العار…

أصبحنا اليوم أمام صفحات كثيرة من التبريرات التي تتغطى بالتاريخ، والآثار، هي نفسها العملية التي يجتهد الكيان الصهيوني في إظهارها أمام العالم منذ بداية الاحتلال ولم يفلح قط، ومن المهم أن أعترف بأن الكيان الصهيوني يمتلك قوةً اقتصادية وعسكرية وأمنية، ورصيداً هائلاً من العلاقات الدولية الفاعلة، إلا أنه لم يستطع أبداً أن ينصر تبريراته بالعلم.. فهو يسقط ويتساقط دائماً عندما يقف أمام محكمة العلم وأمام غياب المصادر الموثوقة التي تؤكد أحقيته وشرعيته التاريخية على هذه الأرض ويعترف صمتاً بفشله الذريع في تمرير هذه الادعاءات والتبريرات المعروفة في العقول التي تحترم العلم ولا ترضى بانتهاكه وتزويره ولا ترضى أن تُغيّب الحقيقة أو تُستبدل تحت الضغوط السياسية وأمام الحقائب التي تحوي الملايين. 

إن هذا المناخ المنفعل والمتشابك والمتردد هو ما أسميته في عنواني بـ(النكسة)، فهو نكسة بالإرادة، لا بخسارة قناة السويس أو فقدان الجولان، هو نكسةٌ في الفكر، نكسة في القرار، نكسة في الضمير، وإذا اختلقنا لنكسة ١٩٦٧ مبرراتٍ كثيرة فهي مقبولة لأنها مسبوقة بالمواجهة والمجابهة، إلا أننا نعجز أن نختلق أية مبررات للنكسة التي نشهدها في هذه الأيام لأنها مسبوقةٌ بالخنوع والانصياع والتزوير..

رسالتي الأخيرة: ولو استفادت وسائل الإعلام من التركيز على القضية وتجاهلت الاحتلالات الأخرى، ولو تاجر من تاجر باسم القضية، ولو استربح من استربح من القضية، ولو رُفعت الشعارات الوهمية من أجل القضية، ولو خان بعض الفلسطينيون القضية، ولو استخدمت القضية في أغراض قذرة، ستبقى القضية قضيةً عادلة لا يختلف فيها أثنان أبداً.. وليتشرف كل من يحمل القضية في قلمه وفي صوته وفي سلاحه، ومن لم يستطع فبقلبه وذلك يا صحبي أضعف الإيمان.

تغيّر المسمى ولم تتغير الآلية

كتب: أنين

لطالما كان الكيان الشبابي هو الهاجس الذي تسعى إليه الحكومة العُمانية وتضعه في أولى اهتماماتها إيماناً منها بأن نهضة الدول لا تقوم إلا بتميكن الشباب لخدمة الوطن والنهوض به، وهذا يتجلى في نهضتنا الخالدة التي كان يقودها سلطاننا الخالد قابوس بن سعيد طيب الله ثراه، مستلهمين الحاضر والمستقبل من ركائز الماضي الثابتة لتأتي الخطابات ذاتها بالاهتمام بالشباب في نهضتنا الجديدة بقيادة السلطان هيثم بن طارق حفظه الله ورعاه.

وفي الحقيقة لم نفقد الأمل ولربما هناك أمور خفيّة لا نعلم بها وجهود حثيثة تقوم بها الجهات المعنية من أجل إعادة الأمور لمكانها الطبيعي، خصوصاً ونحن مقبلين على نهضة جديدة وعهد جديد يتطلب وجود الطاقات الشبابية وشراكة حقيقية في بناء ونهضة الوطن الغالي.

لكن عندما نتحدث اليوم نحن لا ننسف كل الجهود التي تُبدل ونعلم علم اليقين بأن هناك تغيرات جذرية قد تكون صعبة في البدء ولكنها ليست مستحيلة، وندرك تماما الوضع الاقتصادي لكل الدول وليست عمان فحسب ولكن يجب أن تكون هناك وقفة جادة سريعة ومخرج طوارئ في ما يخص الشباب وطاقاتهم التي تهدر سنوياً في اللاشيء.

فما يحدث من تسويف والحلقة المفرغة التي تدور حولها المشكلة الأساسية للباحثين عن عمل هي ذاتها لم تتغير حتى الآن.

فمن المركز الوطني للتشغيل إلى وزارة العمل التي استبشر بها الشباب العُماني كل خير.. ولكن تغيير المسمى لا يكفي إن لم يرافقه تغييير في الآلية التي يتم من خلالها توظيف الباحثين عن عمل،
فالمشكلة في الآلية وليست في المسمى.

فما نجده اليوم تكرار المشكلة السابقة نفسها وما يترتب عليها من نتائج مخيبة للآمال، وما نطلبه اليوم وقفة جادة وحل حقيقي وواضح بعيداً عن الاختصارات والطرق السهلة والمسميات التي لم نجني منها شيء حتى هذه اللحظة.

اليوم نحن استنفدنا جميع الحلول ولستُ هنا في صدد إعطاء الحلول، نعم عندما تنتقد مشكلة يجب أن تقدم حلاً، ولكن على ما يبدو بأن الحلول لا تجدي نفعاً فـالمشكلة أصعب من طرح الحلول العادية لنتركها اذا لـأهل الاختصاص عل وعسى أن يكون هناك حل سحري لم نعثر عليه نحن أصحاب المشكلة.

ولكن أتمنى بأن لا ننتظر طويلاً فالعمر لا ينتظر أحداً، والتغيير والتقدم في كافة الدول متسارع ولا يواكب هذا التطور إلا الفكر الشبابي الجاد والطموح في رقي الوطن وتقدمه، فالوطن في أشد الحاجة إلى أفكار وطاقات شبابه التي حُرم منها طويلاً وكانت الضريبة هي الوطن ذاته فاليوم لن يكون هناك أهل بهذه الثقة وجدير بها إلا أبناء عُمان المنتظرين بكل شغف في خدمة هذا الوطن النفيس .. فهل من حل يحتضن الطاقات الشبابية كافة ويرقى الوطن بشبابه إلى مصاف الدول المتقدمة!؟ أم إننا على موعد مع مسمى آخر!.

‏ سلاح السلام يترجّل برتبة وفاء دبلوماسية

كتبت: أنين

لم تكن حِنكة السياسة الخارجية العُمانية محض صدفة جاءت من هنا وهناك، ولكنها كانت منبثقة من أساسٍ صلب ومتين فعلى مرور الخمسين عاماً من المرونة والفكر المُحنك كانت سياسة عُمان الخارجية تقارعُ الكبار في دهاءها السياسي التي كان يعوّل عليها الكثير ولازالت.

كيف لا تكون كذلك ومهندسها الأول وصانع حِكمتها سياسي بحت من الطراز الرفيع مولانا السلطان قابوس رحمه الله الذي أشعل فتيل السياسة العُمانية الخارجية بذكاءٍ فذ وطموح يعانق السماء فعندما قال:”أريد أن أنظر إلى خارطة العالم ولا أجد بلداً لا تربطه صداقة بعُمان”. كان القول يتبعه فعل صادق وحكيم، وذلك باختيار وتعيين عراب السياسة العُمانية يوسف بن علوي في ديسمبر عام 1997 بعد تنقله في عدة مناصب خارج عُمان وداخلها، حيث كان الرهان الأقوى والصعب في الفترة التي كانت تمر بها عُمان وحاجتها المُلحة إلى كسب رهان السلطان قابوس طيّب الله ثراه.

بعدها كان يوسف بن علوي رجل المرحلة حيث تتلمذ ونهل من فكر السياسة القابوسية طويلاً حتى جعل سياسة عُمان الخارجية محطّاً لأنظار العالم.

إلى أن أتى اليوم الذي يترجل فيه الفارس عن صهوة جواد السياسة العُمانية بعد تاريخ حافل بالثبات والعزيمة السياسية التي لا تُنسى.

فعندما نقول عراب السياسة نعنيها بكل ما تحمله الكلمة من معنى بكل حذافيرها فهو أقدم وزراء الخارجية في العالم فقد تشرب الدبلوماسية السياسية طويلاً حتى أرتوى فخراً وعزاً لما وصلت إليه عُمان، فاتفاقيات السلام لا تعرف إلا سلاحها الشامل، والذكاء والدهاء السياسي لا يعرف إلا فكر بن علوي، مهندس السياسة بإسلوب لن يتكرّر أبداً.

فلا عجب اليوم أن تتهافت الأخبار من بعض الدول من هنا وهناك لترقص طرباً واحتفاءً بترجله عن قيادة عجلة السياسة الخارجية العُمانية فهم يعلمون تماماً بأنه أتعبهم بحِنكته السياسية الفذة لا هم يجارونه ولا هم يتعلمون منه. قال مرة بأن “الضحيج يفقد السمع” ولا يعلم بأن دهاءه السياسي أفقدهم الصبر، فأصبحوا يحيكون الأكاذيب نِكاية بتاريخه الصعب جداً على أدمغتهم المعلبة. أقول لهم انسجوا ما شئتم من القصص الخيالية، ترجّل يوسف بن علوي لا يعني بأن باب الخارجية العُمانية أصبح شاغراً ف عُمان لا تكفُ عن تقديم شخصيات برتب دبلوماسية صعبة على أمثالكم.

أما بن علوي فيكفيه بأن عُمان تفتخر بمثله دائماً وأنه اسمٌ وإن اختفى من المنصب فلن يمر مروراً عابراً على أذهانكم فقد لقنكم درساً سياسياً صعباً جداً على عقولكم المسعورة بالمصالح والترهات. فاليوم عندما رحل رحل برتبة الوفاء لإرضٍ كانت هاجسه الأول، فلا يسعنا إلا أن نقول شكراً لمن شرّف السياسة العُمانية طول السنوات الذهبية التي كان يقودها بفكره النقي، فحقاً هو كنز ودهاء سياسي لابد وأن يبقى مرجعاً لنا جميعاً. يوسف بن علوي اسم سياسي لن يمر مروراً عابراً في ذاكرة السياسة العُمانية.. وليعلم الجميع بأن عُمان الأبية لا تنجب إلا رجالاً بهيبة سلاطين.

كي تكون نهضةً ثانية!

كتب: أسيد البلوشي

إن يوم 18 أغسطس يُعَدُ -بشكل عام- يوماً استثنائياً بالنسبة للحكومة الجديدة بقيادة السلطان هيثم بن طارق؛ لأنه شهد تغييرات ضخمة على مستوى الحكومة بين التغيير والدمج والإلغاء والإنشاء وتبديل عدد من الوزراء من خلال 28 مرسوماً سلطانياً.

وبكل تأكيد فإن جميع هذه التغييرات جاءت بهدف أساسي وهو تنشيط الأداء الحكومي وتطويره والتركيز على فاعليته..ويتضح ذلك في عمليات الدمج التي طالت عدداً من الوزارات والهيئات والمؤسسات الحكومية.. ويبقى السؤال الأهم بين جميع هذه المراسيم: متى سنرى النتائج؟

جميع التعديلات التي حدثت على مستوى المناصب ليست بالأمر الجديد بل تعتبر روتيناً يحدث بين فترة وأخرى ولكن السر في شخصية الوزير.. هل يستطيع الوزير أو المسؤول بمفرده أن ينقل الحكومة إلى عهد جديد من النجاحات؟ الجواب قطعاً لا .. بل من المستحيل أن يُعيّن السلطان عدداً من الوزراء وجميعهم سيعملون بكفاءة عالية ويقومون بالمعجزات في سبيل النهوض بالعمل الحكومي، وهذا ما علمتنا إياه السنوات الماضية.. فكم هللنا لوزيرٍ ما في يوم من الأيام ولم يصل إلى درجة أبسط التوقعات..

إذاً؛ نجاح العمل الحكومي ليس بكفاءة الوزير بل بكفاءة المنظومة الحكومية ككل بدايةً من أصغر الموظفين إلى شخص الوزير نفسه، يجب أن يُلقى اللوم على جميع الموظفين في حالة عدم تحقق النتائج.

إن النجاح الحكومي في هذه المرحلة تحديداً مقرونٌ بحلِ الأزمات الرئيسية في البلد وإيجاد الحلول التي تضمن عدم وقوع الحكومة في مثل هذه الأزمات مستقبلاً.. ونبدأ بأزمة الباحثين عن عمل التي توسعت لتشمل المسرحين عن وظائفهم أيضاً، ولا مجال لتأجيلها ولو للحظة واحدة، لأن الأزمة تتراكم وتتفاقم وتتضخم يوماً بعد يوم، وتراكمها ليس من صالح الحكومة إطلاقاً، إذ لا يُعقل أن يكون الشباب الذي هو مصير كل الأمم معطلاً ولا تتم الاستفادة من طاقاته.. ولا يعقل أن نراهن على بناء أُسٓر متماسكة دون أن نضمن لها مصدر دخلها..

شخصياً أرى بأنه لا نجاح ولا نهضة دون حل هذه الأزمات فلا يتحدثُ متحدثٌ إلا بلغة النتائج ولا يصفق مصفقٌ إلا إذا لامسٓ الإخلاص في حياته ومستقبله، فالمرحلة القادمة ليست مرحلة البناء فحسب بل هي مرحلة تفقّد الطوب جيداً قبل إشراكه في البناء؛ لأن العملية لن تكون سهلة.

السلام الخليجي مع الصهاينة

كتب: أسيد البلوشي

عندما يعتلي أحد الساسة الخليجيين منبراً ليقول من خلاله بأنه وقّع اتفاقية سلام مع الكيان الصهيوني ويهلل بانجازاته وحنكته السياسية التي استطاع من خلالها أن يقيم السلام أو يهدف في انتشار السلام في المنطقة وينسب الفضل إليه في المبادرة في عملية السلام المزعومة؛ فإن الكثير من الأسئلة تتبادر إلى أذهاننا، والكثير من علامات الاستفهام تبدو في وجوهنا ولا يمكن أن نقف أمامها إلا في موقف المستغرب والمشدوه، الذي لا يستطيع ربط الأحداث ببعضها أو يمخمخ المقدمات فلا يهتدي لنتيجة!

إن أول سؤالٍ يتبادر إلى الأذهان عند معاينة ومراقبة كل هذه الأحداث: هل كان بين الدول الخليجية والكيان الصهيوني حرب لكي تبادر الدول الخليجية في السلام؟ .. سيقول أحدهم: هو ليس سلاماً نابعاً عن حرب بل هو سلام لأجل فلسطين ولأجل المنطقة.. فنقول هنا بأن جميع محاولات السلام مع إسرائيل من الدول العظمى والصغرى باءت بالفشل، ولم تلتزم إسرائيل بجميع المعاهدات والإتفاقيات التي وقعتها ولا زالت تمارس عملها المعتاد في بناء المستوطنات في الأراضي الفلسطينية ولا زالت تتدخل في الشؤون الداخلية العربية ولا زالت تمارس عملياتها الاستخباراتية في الشؤون الداخلية العربية، ولا أظن أنها ستتوقف ذات يوم.. فما هو نوع السلام الذي نرجوه من وراء إسرائيل؟

والسؤال الآخر المهم الذي نطرحه: هل الدول الخليجية بحاجة إلى اتفاقيات سلام مع الكيان الصهيوني؟.. عندما يتبادر هذا السؤال في ذهني فإنني أشعر بالصداع.. لأن المشهد الخليجي ليس بغريب على أي مواطن خليجي.. فقبل جميع اتفاقيات السلام المزعومة نحن بحاجة إلى السلام بين السعودية والإمارات والبحرين وقطر.. فكيف نفتخر بعمليات السلام مع عدو العرب جميعهم بينما لم يتحقق السلام في الداخل.. أعني في البيت الخليجي.

نعود إلى السلام مع إسرائيل الذي لا يد ولا قدم ولا ناقة ولا جمل للشعوب العربية فيه.. يصحو العربي فيجد حكومته تبارك لعملية السلام مع إسرائيل دون إرادته ودون رغبته وكأنه يُجبر على أن يتحمل هذا الموقف الذي تبنته حكومته.. كما قال النفيسي: هل نحن قطيع من الخراف تُقاد إلى المسلخ؟

ولكن حسب رأيي الشخصي الأمر أكبر بكثير من جميع هذه التصورات ومن جميع هذه التوقعات.. بل إن كل ما نُجبر عليه في سياساتنا الخارجية ليس أمراً طارئاً أو يحدث من قبيل الصدفة.. بل هو مدروس وتم الإعداد له بشكل جيد، ولك أن تتساءل عزيزي العربي: إذا كان السلام مع إسرائيل لا فائدة منه من الأساس ولم نرى نتائجه الإيجابية لا في الماضي ولا في الحاضر.. فلماذا هذا السلام؟

إن كل ما يحدث اليوم أو في السابق من تقارب الحكومات العربية مع الكيان الصهيوني هي ضغوطات من الدول العظمى على الدول الصغرى، هي ضغوطات من الدول الأقوى على الدول الأضعف بل هي ضغوطات من جميع الاتجاهات: سياسية، اقتصادية، عسكرية.. وغيرها، لا يستطيع السياسي العربي الهروب منها عندما ارتضى لنفسه منذ البداية أن يُطعِم الكبير من لحمه لكي ينمو وينمو وينمو ونزداد نحن العرب ضعفاً وهواناً.. عندما سمحنا لهم من البداية أن يتلاعبوا بخيراتنا ويقسمونها بينهم.. عندما اتفقنا معاً أن نكون ضعفاء وأن يكونوا أقوياء على حسابنا..

أصبحنا اليوم تحت رحمة التحالفات والحمايات المشروطة مع الدول العظمى التي تعرفونها جيداً، فلا يوجد تحالف أو علاقة بين دولة عظمى ودولة صغرى من دون شروط.. من دون أن ندفع الثمن، من دون الأوامر التي قد تصل لأي حد ونجبر على قبولها مخافة أن نخسر هذه العلاقات التي أصبحت أقصى ما نتمناه للحفاظ على استقرارنا.. وقد يكون هذا الثمن هو أن نصافح العدو الصهيوني ونعقد معه إتفاقية سلام… والسلام!!!!

أصواتنا ضد التطبيع ولكن؟

كتبت: أنين

“إذا كنا مدافعين فاشلين عن القضية، فالأجدر بنا أن نغيّر المدافعين لا أن نغير القضيّة”

‏-غسان كنفاني

الصوت الذي كان يضج في عكا ويرتعد منه الكيان الصهيوني، الصوت المسموع والمؤثر دائماً، فعذراً يا غسان بكل أسى أكتب اليوم عن فلسطين وحربها وأنا لم أسمع طلقة واحدة في حياتي” ولكني سمعت صوت الضمير، وصوت الخيانة معاً، والتي صدق بها تنبؤك بأنه قد “يأتي وقت وتكون الخيانة وجهة نظر”، ها قد أتى الوقت وطارت الكلمة وبقيت الفكرة إلى يوم يبعثون(فلسطين دولة عربية مستقلة، وإسرائيل عدو صهيوني لا وجود له سوى ترهات شكلية هنا وهناك.
للأسف
الشعوب اليوم ليست غسان عندما يغضب ويعترض ويحرك المياة الراكدة، ويهز الكيان الصهيوني بقلمه المحشو برصاص الكلمات، الشعوب العربية مخذولة مُسيرة من قِبل حكوماتها.. ترتعد من الاعتراص ولا تقدم عدا السمع والطاعة.. الشعوب ليست غسان حتى تثور، وترفض وتستنكر ليست غسان للأسف ولا تملك حتى تأثيراً واحداً حقيقي يُذكر، صراخنا لا يتعدى منصات التواصل الإجتماعي إن حدث من البعض منّا. ولكن شيء خير من لا شيء.
نتحدث لإبراء الذمّة أمام الله وأنفسنا..
حتى وإن كنّا مدافعين فاشلين عن القضية مثلما قال غسان . ولكن نحن اليوم يا غسان لا نملك الحق حتى في تغيير المدافعين ولكن على الأقل أن لا نغير القصية.

حمد الحاضر في ذاكرة عُمان

بقلم: أنين

لقد مرّت خمس أيام من شهر أغسطس على الذكرى الخامسة لرحيل وتد الشِعر العُماني الشاعر حمد الخروصي لحظتها لم أجد شيء يسعفني للكتابة حيث كانت كل الكلمات المكتوبة من قِبل البعض تختصر كل شيء، أو لربما في بعض الأحيان تكون ذكرى اللحظة عصيةً على الكتابة، فتجدنا تائهين نبحث عن الحروف ولا نجدها وكأن اللغة مثقوبة سقط منها ما سقط، نتحايل على الوقت حتى نكتب عن الرحيل الأبدي لنعطي الذاكرة وقتها في استيعاب اللحظة بالتحديد..

عموماً أعزائي لن يكتب لذكرى حمد إلا من يدرك معنى الضمير والإنسانية وتقديراً لشخصه الإنساني قبل الشِعري، فكل من كتبوا، كتبوا بدافع المحبة والتقدير ليس إلا.. كذلك لن نحتاج إلى تاريخ معين حتى نكتب ونتذكر حمد، فلطالما كان يكتبنا في أشعاره دون تحديد ومعرفة مسبقة ولأن لروحه فراسة القرب بالحبر قبل قرابة الدم فكان يشعر بقلوب القراء دائماً.

لذا لن أطيل في الحديث عن هذا الجانب، فالتبرير أحياناً يفسد عمق المعنى وشفافيته. لذلك نعود بالذاكرة إلى حمد الإنسان قبل الشاعر وقد لا يسعفني الكم المعرفي فـ لست إلا متابعة لشِعر الراحل حمد، ولكن من يتعمق ويقرأ ما كتبه يشعر بمدى وعمق تجربته الشّعرية، فحمد يكتب بخِفة الدهشة، حيث تمكن من كسر الحاجز والنمط الشِّعري المعروف فاستطاع أن يعبر بقصائده بخِفة متسلحاً بالثقافة الشِعرية والنقد الشِعري الحق، نعم النقد الذي حُرِم منه الشِعر العُماني بعد وفاته فقد كان الجسر الذي يعبر منه بعض الشعراء إلى ضفة الشِعر محملين بالثقة والحذر الشِعري، حمد الذي كان يقدم نقداً حقيقياً فـي الشِعر النبطي العُماني وبكل صراحة خسرنا ناقداً حقيقياً لن يتكرر أبداً. فدائماً ما كنت أقول رحيل حمد كان مبكراً جداً فما زال هناك الكثير ليقدمه للأدب العُماني خاصة والخليجي عامة ولكن الموت كان أقرب من أي شيءٍ آخر.

فاليوم عندما نكتب نحن نواسي أنفسنا والأدب لا نخلد من كان مخلداً، فحمد خلّد نفسه في قصائده قبل أن نخلده نحن القراء. رثى نفسه قبل أن نبدأ بذلك بعد رحيله.

ولطالما تقمص شخصيات في قصائده ليرثيها ولم نكن ندرك بأنه ينعي نفسه في كل مرة.. فقِلة هم الشعراء الذين تنبئوا بموتهم ومنهم حمد فكثيرة هي النصوص التي أسقط فيها الموت وتفاصيله. ف تارة نجده متشبثاً في محاولة تبرير الوداع ف يقول:

“جايز رحلت بلا وداع وكان من عمري الثمن”

“بس الأكيد اني رحلت وكنت ما أملك خيار”.

وتارة نجده قد كتب وصيته العلنية قبل رحيله فلم تكن مجرد كتابة بداعي الشِعر ولكنها حقيقة استوعبها القارئ بعد الرحيل:

“يا بوي أنا ميت وهذي وصاتي

حافظ على طيبك وأوصيك بالفقر”.

المتتبع لشِعر الشاعر حمد الخروصي يتنبه إلى دقة التفاصيل في رثاء نفسه قبل الموت ويجعل القارئ يتساءل دائماً هل الموت كان قريب إلى هذا الحد؟؟

ليلحُ عليه ويكتب الموت قبل الموت!!

“وأذكر كان يمسكني ظلام وشيّ ما ينشاف

أنا كنت احسبه إنتي وأثرها ليلة وداعي”.

هنا يتجلى ذكاء الشاعر وفراسته الشِعرية، فليست غرابة أن ينعي شخصية أخرى وتصادف تفاصيل رحيله عندما قال:

“وفجأة بلا موعد جديد ، ترجع الإسعاف مرتبكة وخجولة ، تمشي بس من دون نفس، أكيد أن الرجل مااات ، وآه يالإسعاف: لا غدى هالخوف سادي صار حل الصمت أنسب عن جنوني في بلادي”!.

(بلادي) اللفظة التي اشغلت حمد طويلاً ، حتى أصبحت كالقوت في قصائدة فما أن يبدأ يكتب تتجلى له عُمان بكل صورها ، فكان يحبها كيف ما كانت. كان يستشعر معنى الوطن ،فمهما نامت قصائده غاضبة بعض الأحيان إلا إنها تصحى على حب عُمان والأمل الذي يشتعل في روحه دائماً لعُمان التي يتمنى أن تكون.. كيف لا وهو من ارتبط اسمه بعُمان ، فعندما نقول: حمد الخروصي يلوح في سماء الألقاب “شاعر الوطن”، فقد عرف عُمان وعُرفت به..

ليقول بعده الشاعر مازن الهدابي:

“كم كتبنا فيك يالبدر التمام

‏و كم نزف في حبك الشاعر حمد”

كم كتبنا ولازلنا نكتب وكم نزف حمد شِعراً وحباً لعُمان. ففي ديوانه الأخير “أثر” وعلى لسان زوجته قالت:

“لم أنسى تلك اللحظة التي سألت فيها حمد: لمن ستهدي ديوانك؟ فرد عليّ وبدون تردد: سأهديه لعُمان”.

عُمان التي كانت حاضرة في روح حمد بكل ما فيها، لتجعله يكتبها في وصيته قبل رحيله.. كتبها دائماً ليبقى اليوم خالداً في ذاكرتها حتى وإن

“طاح الورق” فـ “الأثر” مُخلد في الروح باقي.

اليوم ودائماً نستذكر حمد بقوله: أبتهج حينما أطارد فكرة طائشة، أتباهى بها أمام نفسي. أو أصوغ جملة شّعرية أتوقع أن يحفظها أصدقائي ويتذكرونني بها في أمسياتهم البارزة، ثم يطيرونها على روحي حمامة برّية”.

ما أكثر الحمام يا حمد التي تطيّر أسراباً لروحك فما تركته من إرث شّعري لا يختزل ولا يُنسى فلا نحتاج إلى أيام محددة حتى نسقط أسمك في الذاكرة فأنت الحاضر دائماً في ذاكرة من نحب(عُمان) هذا الارتباط العميق العصي على النسيان سيبقى حاضراً في الأذهان قبل الورق والتواريخ.

لروحك السلام والرحمة. ولعُمانك المحبة والخلود.

ذكرى وفاة فارس الأغنية العربية أبو بكر سالم

كتبت: بشرى الغيلانية

يقول أبو بكر مهددًا محبوبته:” لا تعذبني وإلا سرت وتركت المكلا..” ولكن هذه المرة سرت ولم تترك المكلا فحسب بل تركتنا جميعًا.. تركت أهلك ومحبيك ومعجبيك لا يصدقون الخبر.. ها قد مر عامٌ كاملٌ آخر على وفاة عملاق الفن والأدب أبو أصيل.

شخصٌ بثقافة وأدب ورقة وفن أبو بكر حريٌ بنا أن نقف عند ذكرى وفاته ونعيد التعازي وحريٌ بشخصه أن يرثيه العالم العربي أجمع من حضرموت إلى ما وراء البحار.

دائمًا ما كنت أنبهر من طلاقة لسان أبو بكر في لقاءاته وفصاحته ومعرفته الأدبية الواضحة في كلامه.. كم قصيدةً ألقى على مسامع الحاضرين بحفظٍ عن ظهر غيب وبلغةٍ سليمةٍ خاليةٍ من الأخطاء… كم وكم حوارًا كان فيه ضيفًا أضاف له الرونق والألق.. لقاءات كثيرة وحوارات وعظيمة لا تُمل.
السامع لأبي بكر لا يُصدق أنه مغني بل يكاد يجزم أنه أديبٌ.. السامع لأبي بكر يعلم أن الفن لا يعني خلو الشخص من كل معالم الثقافة والأدب .. أبو بكر مدرسةٌ لبعض فناني الجيل الحالي الذي امتهن الغناء والتمثيل والمسرح وهو جاهل بالثقافة والأدب .. لا تكاد ترى لقاءً لأحد فناني الجيل الحالي إلا وأغلقت القناة لما فيها من قلة ثقافة ووعي وكذلك افتقاد الحديث معهم لكل مقومات الجمال!

‏أبو بكر سالم يقترح علينا في إحدى أغانيه أسلوب حياة صحيةٍ خاليةٍ من النكد بقوله :”كل كلمة حب نحييها معانا، وكلمة العذال نرميها ورانا.”

ترجل أبو أصيل منذ عامٍ مضى “وشل النجوم واختفى” ولكنه وباقٍ في قلوب محبيه وكأنه لا يزال بيننا.. رحمك الله يا رمز الأغنية اليمنية العريق .. رحمك الله يا أبا أصيل.

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ